الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
480
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الموجودات منه . وبهذه المناسبة فإن " فطر " تطلق على " طلاع " التمر عندما يتفتق ويخرج منه التمر . والمقصود بالسماوات والأرض هنا جميع السماوات والأرض وما فيها من كائنات وما بينها ، لأن الخالقية تشملها جميعا . ثم تشير الآية إلى وصف آخر من أفعاله تعالى فتقول : جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ( 1 ) . وهذه لوحدها تعتبر إحدى الدلائل الكبيرة على تدبير الله وربوبيته وولايته ، حيث خلق سبحانه وتعالى للناس أزواجا من أنفسهم ، وهو يعتبر أساسا لراحة الروح وسكون النفس ، ومن جانب آخر يعتبر الزواج أساسا لبقاء النسل واستمراره ، وتكاثره . وبالرغم من أن خطاب الآية موجه للإنسان ، والمعنى منصب عليه من خلال " يذرؤكم " إلا أن هذا الأمر هو حكم سائد وسنة جارية في جميع الأنعام والموجودات الحية الأخرى التي تسري عليها التكاثر بالمثل . وفي الواقع إن توجيه الخطاب للإنسان دونها يشير إلى مقامه الكريم ، وأما أمر البقية فيتبين من خلال الإنسان كمثال . الصفة الثالثة التي تذكرها الآية هو قوله تعالى : ليس كمثله شئ . إن هذا الجزء من الآية يتضمن حقيقة أساسية في معرفة صفات الله الأخرى ، وبدونها لا يمكن التوصل إلى أي صفة من صفات الله ، لأن أكبر منزلق يواجه السائرين في طريق معرفة الله يتمثل في " التشبيه " حيث يشبهون الخالق جل وعلا بصفات مخلوقاته ، وهو أمر يؤدي للسقوط في وادي الشرك !
--> 1 - الضمير في " فيه " يعود إلى " التدبير " أو " جعل الأزواج " و " يذرأوا " من " ذرأ " على وزن " زرع " وتعني " الخلق " لكنه الخلق الذي يقترن ويتزامن مع إظهار الأفراد . وقد وردت أيضا بمعنى الانتشار .